الاخبار الوطنية

تحقيق استقصائي دولي: مصانع مسحوق السمك تضغط على الثروة البحرية وتهدد الأمن الغذائي في موريتانيا

تحقيق استقصائي دولي: مصانع مسحوق السمك تضغط على الثروة البحرية وتهدد الأمن الغذائي في موريتانيا

العرية. نت – نواكشوط

حذّر تحقيق استقصائي دولي من التداعيات البيئية والاقتصادية والاجتماعية للتوسع في صناعة مسحوق وزيت السمك بموريتانيا وغرب إفريقيا، مسلطاً الضوء على الضغوط المتزايدة على الثروة البحرية، وانعكاسات تحويل كميات كبيرة من الأسماك إلى أعلاف على الأمن الغذائي ومصادر عيش السكان الساحليين.

ونشر التحقيق مشروع الصحافة الاستقصائية The Outlaw Ocean Project، وتناولته صحيفة «لوموند» الفرنسية في العاشر من أكتوبر الجاري، مستنداً إلى وثائق حكومية وسجلات تجارية وقضائية وتقارير صحفية، إضافة إلى مقابلات مع عاملين في قطاع الصيد وسكان ومسؤولين رقابيين في عدد من دول المنطقة.

وبحسب التحقيق، شهدت موريتانيا توسعاً لافتاً في مصانع مسحوق السمك، إذ ارتفع عددها من ثلاثة مصانع عام 2007 إلى أكثر من 50 مصنعاً نشطاً عام 2024، في تطور أثار مخاوف بشأن استدامة استغلال الموارد البحرية ومدى انعكاس عائدات القطاع على الاقتصاد المحلي.

وأشار التقرير إلى أن نحو 550 ألف طن من الأسماك السطحية صيدت من المياه الموريتانية خلال عام 2017 لتزويد مصانع المسحوق، وفق تقديرات أوردها المشروع، مضيفاً أن إنتاج هذه المصانع تضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2020، رغم خطط أعلنتها السلطات عام 2017 للتخلص التدريجي من هذه المنشآت بحلول عام 2020.

مخاوف بيئية وصحية في المناطق الساحلية

وتناول التحقيق شكاوى تتعلق بالتلوث الناجم عن بعض مصانع مسحوق السمك، بما في ذلك تصريف المخلفات في المياه الساحلية، وانبعاث الروائح والدخان، وما قد يترتب على ذلك من آثار على البيئة البحرية وصحة السكان المقيمين بالقرب من المنشآت الصناعية.

ووفق البيانات التي أوردها المشروع، يعيش أكثر من 56 ألف شخص، بينهم نحو 16 ألف طفل دون الخامسة عشرة، على مسافة تقل عن ميل واحد من مصانع مسحوق السمك في موريتانيا.

كما استند التحقيق إلى مقابلات مع سكان وعاملين في القطاع، قال إن المشاركين الذين شملتهم المقابلات في موريتانيا أفادوا بوجود آثار صحية سلبية مرتبطة بالدخان المنبعث من المصانع، إلى جانب الإشارة إلى دراسات تناولت تأثير مخلفات هذه المنشآت على المياه الساحلية في خليج ليفري بمدينة نواذيبو.

وفي الجانب المتعلق بممارسات الصيد، أشار التقرير إلى تحليل لبيانات السفن المرتبطة بمصانع المسحوق، أظهر أن أكثر من اثنتي عشرة سفينة يُرجح أنها مارست الصيد بشباك الجر القاعية خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2024، بإجمالي تجاوز 4100 يوم، وفق تحليل لمؤسسة «Global Fishing Watch».

وتثير هذه الممارسات مخاوف بيئية بسبب الأضرار التي قد تلحقها بقاع البحر والأنظمة الإيكولوجية البحرية، فضلاً عن احتمال اصطياد أنواع غير مستهدفة.

الأسماك بين التصدير والاستهلاك المحلي

ولفت التحقيق إلى أن تحويل كميات من الأسماك إلى مسحوق وزيت موجهين إلى الأسواق الخارجية يثير تساؤلات بشأن التوازن بين العائدات التجارية للقطاع واحتياجات السوق المحلية، خصوصاً في بلد يعتمد جزء من سكانه على الأسماك مصدراً أساسياً للغذاء والدخل.

ونقل التقرير عن دراسة لمنظمة «Partner Africa» أن سعر الكيلوغرام من سمك السردينيلا في موريتانيا ارتفع من نحو 26 سنتاً إلى 1.60 دولار خلال السنوات الأخيرة، مع ربط الدراسة هذا التطور بتوجه كميات أكبر من المصطادات إلى مصانع المسحوق والزيت وأسواق التصدير.

كما أشار إلى أن القطاع وفر نحو ألفي وظيفة عام 2022، وفق دراسة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من هذه الوظائف مؤقت، وهو ما يطرح تساؤلات حول حجم المكاسب الاجتماعية مقارنة بالتأثيرات البيئية والاقتصادية المحتملة.

وفي إطار مساعي الحد من تحويل الأسماك بعيداً عن الاستهلاك البشري، فرضت موريتانيا عام 2021 حصة تلزم بتوجيه ما لا يقل عن خُمس المصطادات إلى التجميد والاستهلاك البشري، وفق التحقيق.

وأضاف التقرير أن ما لا يقل عن 19 شركة في نواذيبو توقفت عن العمل خلال السنوات التالية، فيما أعلنت وزارة الصيد في أغسطس 2025 إغلاق أكثر من 40 مصنعاً لمسحوق السمك.

استثمارات أجنبية وتساؤلات بشأن الرقابة

وتطرق التحقيق إلى اتفاق أبرم عام 2010 مع شركة «Fuzhou Hong Dong Pelagic Fishery» الصينية، منحها حقوقاً للصيد والتحويل المباشر في منشآتها الخاصة لمدة 25 عاماً، مقابل استثمار معلن بقيمة 100 مليون دولار والتزام بتوفير ألفي وظيفة للموريتانيين.

ونقل المشروع عن خبير في قطاع الصيد أن الاستثمار الموعود لم يكن قد تحقق حتى عام 2025، مشيراً إلى أن الاتفاق خضع لتحقيق برلماني بسبب شبهات فساد، وفق تقرير سابق لمنظمة «Partner Africa».

كما تحدث التحقيق عن صعوبات في تتبع بعض سفن الصيد، بسبب غياب أرقام التعريف الدولية عن عدد منها أو عدم إدراجها في قواعد البيانات المختصة، فضلاً عن مزاعم بشأن ممارسات صيد غير قانونية أو غير مستدامة مرتبطة ببعض سلاسل التوريد.

وفي المقابل، لم يتضمن التقرير المنشور تعليقات من وزارة الصيد والاقتصاد البحري أو سلطة منطقة نواذيبو الحرة بشأن الاتهامات المتعلقة بالتلوث والرقابة، كما أفاد المشروع بأنه لم يتلق ردوداً من بعض الشركات التي طلب منها التعليق على المزاعم المرتبطة بسفنها ومنشآتها.

ويعيد التحقيق تسليط الضوء على التحدي الذي يواجه قطاع الصيد الموريتاني، والمتمثل في تحقيق التوازن بين الاستثمار والتصدير من جهة، وحماية الثروة البحرية وضمان استدامتها وتوفير الأسماك بأسعار مناسبة للسوق المحلية من جهة أخرى، في ظل أهمية هذا المورد للاقتصاد الوطني وسبل عيش المجتمعات الساحلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى